دراسة تكشف: جراحة السمنة أكثر فاعلية بخمسة أضعاف من أدوية وحقن التخسيس
في ظل الارتفاع المستمر في معدلات السمنة حول العالم، أصبحت مسألة فقدان الوزن واحدة من أكثر القضايا الصحية إلحاحًا في العصر الحديث. السمنة لم تعد مجرد مشكلة شكلية أو جمالية، بل تحولت إلى مرض مزمن يرتبط ارتباطًا مباشرًا بأمراض خطيرة مثل السكري من النوع الثاني، أمراض القلب، ارتفاع ضغط الدم، واضطرابات المفاصل والتنفس. ومع تطور الطب، ظهرت العديد من الوسائل العلاجية للتعامل مع السمنة، من الأنظمة الغذائية والرياضة، إلى الأدوية وحقن التخسيس، وصولًا إلى جراحات السمنة.
مؤخرًا، كشفت دراسة علمية واسعة النطاق أن جراحة السمنة تُعد أكثر فاعلية بخمسة أضعاف مقارنة بأدوية وحقن التخسيس الحديثة، سواء من حيث فقدان الوزن على المدى الطويل أو تحسين المؤشرات الصحية المرتبطة بالسمنة. هذه النتائج أعادت فتح النقاش حول أفضل الطرق لعلاج السمنة، ومتى يكون التدخل الجراحي هو الخيار الأمثل.
في هذا المقال، نستعرض تفاصيل هذه الدراسة، ونشرح الفروق الجوهرية بين جراحات السمنة وأدوية التخسيس، مع توضيح الفوائد والمخاطر، وتأثير كل خيار على الصحة العامة وجودة الحياة.

السمنة: مرض مزمن وليس مجرد زيادة وزن
قبل الخوض في تفاصيل الدراسة، من المهم فهم طبيعة السمنة نفسها. السمنة تُصنف طبيًا كمرض مزمن ناتج عن تراكم مفرط للدهون في الجسم، وغالبًا ما يكون نتيجة تفاعل معقد بين عوامل وراثية، هرمونية، سلوكية، وبيئية.
إقرأ أيضا:لإنقاص وزنك.. تناول وجبة حارة على الغداءيعتمد تشخيص السمنة عادة على مؤشر كتلة الجسم، حيث يُعتبر الشخص مصابًا بالسمنة إذا تجاوز المؤشر 30، وتزداد الخطورة الصحية كلما ارتفعت الدرجة. المشكلة الحقيقية في السمنة لا تكمن فقط في الوزن الزائد، بل في تأثيره العميق على وظائف الجسم، والتمثيل الغذائي، والهرمونات المنظمة للشهية والشبع.
لماذا فشلت الحلول التقليدية مع كثير من المرضى؟
على مدار عقود، كان الحل الأول للسمنة هو تقليل السعرات الحرارية وزيادة النشاط البدني. ورغم أن هذا النهج فعال في بعض الحالات، إلا أن نسبة كبيرة من المصابين بالسمنة المفرطة لا يحققون نتائج مستدامة.
السبب يعود إلى أن الجسم، بعد فقدان الوزن، يدخل في حالة دفاعية تقل فيها معدلات الحرق، وتزداد فيها هرمونات الجوع، مما يؤدي إلى استعادة الوزن المفقود بسرعة. هذه الظاهرة تُعرف باسم “الاستجابة البيولوجية للسمنة”، وهي أحد أهم أسباب فشل الحميات القاسية.
ظهور أدوية وحقن التخسيس: أمل جديد؟
في السنوات الأخيرة، ظهرت أدوية وحقن تخسيس تعتمد على التأثير في هرمونات الشهية، مثل الهرمونات المشابهة لـ GLP-1، والتي تعمل على تقليل الإحساس بالجوع وإبطاء إفراغ المعدة.
هذه الأدوية أحدثت ضجة كبيرة، وحققت نتائج مشجعة على المدى القصير، حيث ساعدت كثيرًا من المرضى على فقدان 10 إلى 15 بالمئة من وزنهم خلال عدة أشهر. كما ساهمت في تحسين مستويات السكر في الدم لدى مرضى السكري.
إقرأ أيضا:بدون حساب سعرات.. تناول الطعام لـ 8 ساعات فقط ينقص الوزنلكن مع مرور الوقت، بدأت تظهر تساؤلات مهمة:
هل هذه النتائج مستدامة؟
ماذا يحدث بعد إيقاف الدواء؟
هل تناسب جميع مرضى السمنة؟
تفاصيل الدراسة: مقارنة شاملة بين الجراحة والأدوية
الدراسة التي أثارت الجدل اعتمدت على متابعة آلاف المرضى المصابين بالسمنة على مدى عدة سنوات، وقارنت بين مجموعتين رئيسيتين:
المجموعة الأولى خضعت لجراحات السمنة.
المجموعة الثانية اعتمدت على أدوية وحقن التخسيس فقط.
ركز الباحثون على عدة مؤشرات، أهمها:
نسبة فقدان الوزن.
استمرارية النتائج بعد سنوات.
تحسن الأمراض المصاحبة مثل السكري وارتفاع الضغط.
جودة الحياة.
معدلات المضاعفات.
نتائج صادمة لصالح جراحة السمنة
أظهرت نتائج الدراسة أن المرضى الذين خضعوا لجراحات السمنة فقدوا وزنًا يعادل خمسة أضعاف ما فقده المرضى الذين استخدموا الأدوية فقط، على المدى الطويل.
في حين فقد مستخدمو الأدوية نسبة جيدة من الوزن في السنة الأولى، فإن نسبة كبيرة منهم بدأت في استعادة الوزن تدريجيًا، خاصة بعد تقليل الجرعة أو إيقاف العلاج. على العكس، حافظ معظم مرضى جراحات السمنة على فقدان وزن كبير ومستقر حتى بعد مرور خمس سنوات وأكثر.
لماذا تتفوق جراحة السمنة؟
السبب الرئيسي في تفوق جراحة السمنة يعود إلى تأثيرها العميق على فسيولوجيا الجسم، وليس فقط تقليل كمية الطعام.
إقرأ أيضا:الشوفان أم الغرانولا.. أيهما أفضل لإنقاص الوزن؟جراحات السمنة لا تقتصر على تصغير حجم المعدة، بل تؤدي إلى:
تغيير في هرمونات الجوع والشبع.
تحسين حساسية الجسم للأنسولين.
إعادة ضبط مركز الشهية في الدماغ.
تقليل امتصاص السعرات في بعض العمليات.
هذه التغيرات تجعل الجسم أقل مقاومة لفقدان الوزن، وأكثر قدرة على الحفاظ عليه.
أنواع جراحات السمنة الأكثر شيوعًا
تكميم المعدة
يُعد من أكثر العمليات انتشارًا، حيث يتم استئصال جزء كبير من المعدة، مما يقلل الشهية ويخفض إفراز هرمون الجوع.
تحويل مسار المعدة
يجمع بين تقليل حجم المعدة وتغيير مسار الأمعاء، ويُعد من أكثر العمليات فاعلية في علاج السكري والسمنة المفرطة.
تحويل المسار المصغر
نسخة أقل تعقيدًا من تحويل المسار التقليدي، مع نتائج ممتازة لفقدان الوزن.
تأثير الجراحة على الأمراض المصاحبة للسمنة
واحدة من أهم نتائج الدراسة أن جراحة السمنة لم تؤد فقط إلى فقدان الوزن، بل ساهمت بشكل كبير في:
تحسن أو شفاء السكري من النوع الثاني.
خفض ضغط الدم.
تحسين مستويات الكوليسترول.
تقليل مخاطر أمراض القلب.
تحسين الخصوبة واضطرابات الهرمونات.
في كثير من الحالات، تمكن المرضى من التوقف عن أدوية السكري والضغط بعد فترة من الجراحة، وهو ما لم يتحقق بنفس القوة لدى مستخدمي أدوية التخسيس فقط.
ماذا عن مخاطر جراحة السمنة؟
رغم فعاليتها العالية، فإن جراحة السمنة ليست خالية من المخاطر. الدراسة أشارت إلى أن المضاعفات الخطيرة نادرة عند إجرائها في مراكز متخصصة، لكنها قد تشمل:
نقص الفيتامينات والمعادن.
مشاكل هضمية.
الحاجة إلى متابعة طبية طويلة الأمد.
لكن الباحثين أكدوا أن فوائد الجراحة، عند اختيار المريض المناسب، تفوق المخاطر بكثير مقارنة باستمرار السمنة ومضاعفاتها.
حدود أدوية وحقن التخسيس
الدراسة لم تقلل من أهمية أدوية التخسيس، لكنها أوضحت حدودها، ومنها:
الحاجة إلى الاستمرار الطويل لاستخدامها.
ارتفاع التكلفة على المدى البعيد.
عودة الوزن بعد التوقف.
عدم فعاليتها الكافية في حالات السمنة المفرطة.
لذلك، تعتبر الأدوية خيارًا مناسبًا لبعض المرضى، خاصة من يعانون من زيادة وزن متوسطة أو لا يرغبون أو لا يستطيعون الخضوع للجراحة.
من هو المرشح المثالي لجراحة السمنة؟
وفقًا للمعايير الطبية، يُنصح بجراحة السمنة لمن:
يعاني من سمنة مفرطة.
فشل في فقدان الوزن بالطرق التقليدية.
يعاني من أمراض مزمنة مرتبطة بالسمنة.
لديه استعداد للالتزام بنمط حياة صحي بعد الجراحة.
القرار يجب أن يكون طبيًا مدروسًا، وليس بدافع سريع أو تجميلي فقط.
الرسالة الأهم من الدراسة
الرسالة الأساسية التي أكدت عليها الدراسة هي أن السمنة مرض معقد، ولا يوجد حل واحد يناسب الجميع. لكن في حالات السمنة الشديدة، تظل جراحة السمنة هي الخيار الأكثر فاعلية واستدامة، مقارنة بالأدوية وحقن التخسيس.
كما شددت الدراسة على أهمية المتابعة الطبية طويلة الأمد، سواء بعد الجراحة أو أثناء استخدام الأدوية، لضمان أفضل النتائج والحفاظ على الصحة العامة.
تكشف هذه الدراسة العلمية بوضوح أن جراحة السمنة تتفوق بخمسة أضعاف على أدوية وحقن التخسيس من حيث فقدان الوزن المستدام وتحسين الصحة العامة. ورغم التطور الكبير في أدوية التخسيس، فإنها لا تزال حلًا جزئيًا أو مؤقتًا في كثير من الحالات، خاصة مع السمنة المفرطة.
الاختيار بين الجراحة أو الأدوية يجب أن يكون قرارًا طبيًا واعيًا، مبنيًا على تقييم شامل لحالة المريض، ونمط حياته، واستعداده للتغيير. الأهم هو التعامل مع السمنة كمرض يحتاج إلى علاج طويل الأمد، وليس كمرحلة مؤقتة أو مشكلة شكلية.
