هل نشعر بالبرد في عظامنا فعلًا؟.. العلم يوضح الحقائق وأسباب متعددة للشعور ونصائح من الخبراء
مع انخفاض درجات الحرارة في الشتاء، يتكرر على ألسنة كثير من الناس تعبير شائع يقول: “أشعر أن البرد وصل إلى عظامي”. هذا الوصف يبدو مألوفًا جدًا، خصوصًا لدى كبار السن أو الأشخاص الذين يعانون آلام المفاصل أو مشاكل صحية مزمنة. لكن هل هذا الشعور حقيقي فعلًا؟ وهل يمكن للبرد أن يصل فعليًا إلى العظام داخل الجسم؟ أم أن الأمر مجرد تعبير مجازي لوصف الإحساس الشديد بالبرودة؟
العلم الحديث حاول الإجابة عن هذا السؤال من خلال فهم طريقة عمل الجسم البشري وكيفية استجابته للبرد، إضافة إلى دراسة العلاقة بين الطقس البارد وآلام المفاصل والعضلات، وكذلك تأثير الرطوبة والضغط الجوي على الشعور العام بالبرودة. في هذا المقال سنبسط الفكرة، ونشرح ما يحدث داخل أجسامنا عند التعرض للبرد، ولماذا يشعر بعض الناس بأن البرد يخترق عظامهم، إضافة إلى نصائح عملية لتقليل هذا الشعور المزعج خلال الشتاء.

هل يمكن للبرد أن يصل فعليًا إلى العظام؟
من الناحية العلمية البحتة، العظام موجودة في عمق الجسم ومحمية بطبقات من العضلات والأنسجة والدهون والجلد. لذلك لا يمكن للهواء البارد أن يصل مباشرة إلى العظام. الجسم يمتلك نظامًا حراريًا معقدًا يحافظ على درجة حرارته الداخلية ثابتة تقريبًا حول 37 درجة مئوية، حتى لو انخفضت حرارة الجو الخارجي كثيرًا.
إقرأ أيضا:ماذا يحدث لنومك عند تناول “إل-ثيانين” و”المغنيسيوم” معًا؟عندما نتعرض للبرد، أول ما يتأثر هو الجلد، حيث تحتوي طبقته على مستقبلات حسية تستشعر انخفاض الحرارة وترسل إشارات إلى الدماغ. بعدها يبدأ الجسم بمحاولة تقليل فقدان الحرارة عبر تقليص الأوعية الدموية القريبة من الجلد، وهي عملية تُعرف بانقباض الأوعية. هذا يجعل الدم يتجه أكثر إلى الأعضاء الداخلية للحفاظ على دفئها.
بمعنى آخر، البرد لا يصل فعليًا إلى العظام، لكن التغيرات التي تحدث في الجلد والعضلات والمفاصل والأوعية الدموية قد تعطي شعورًا عميقًا يشبه الألم الداخلي، فيفسره الدماغ على أنه “برد في العظام”.
لماذا نشعر ببرودة عميقة في الجسم؟
هناك عدة أسباب تجعل الإحساس بالبرد يبدو وكأنه قادم من الداخل وليس من سطح الجلد فقط، ومن أهمها:
أولًا: انقباض الأوعية الدموية
عندما تنخفض درجة الحرارة، يضيّق الجسم الأوعية الدموية في الأطراف مثل اليدين والقدمين والركبتين لتقليل فقدان الحرارة. هذا يقلل وصول الدم الدافئ إلى هذه المناطق، فيشعر الشخص ببرودة عميقة وربما ألم في المفاصل.
ثانيًا: شد العضلات وتيبسها
الطقس البارد يجعل العضلات أكثر تيبسًا وأقل مرونة، وقد يسبب تشنجات خفيفة أو إحساسًا بالشد العضلي، خصوصًا لدى الأشخاص الذين يعانون ضعف اللياقة أو يجلسون لفترات طويلة دون حركة.
ثالثًا: حساسية المفاصل القديمة
الأشخاص الذين تعرضوا لإصابات سابقة في المفاصل أو يعانون التهاب المفاصل غالبًا يشعرون بزيادة الألم مع انخفاض الحرارة. وهذا قد يفسر شعور البعض بأن البرد “يضرب” في عظامهم.
إقرأ أيضا:أضرار عملية الأوميجا لوبرابعًا: تأثير الرطوبة والضغط الجوي
بعض الدراسات تشير إلى أن تغيرات الضغط الجوي والرطوبة تؤثر على الأنسجة المحيطة بالمفاصل، مما يسبب تمددًا بسيطًا في الأنسجة، وهو ما يزيد الإحساس بالألم أو الضغط داخل المفصل.
خامسًا: نقص الدهون تحت الجلد
الأشخاص النحيفون أو كبار السن غالبًا يمتلكون طبقة دهون أقل تحت الجلد، وهي طبقة تعمل كعازل حراري طبيعي، لذلك يشعرون بالبرد بشكل أسرع وأعمق.
هل كبار السن يشعرون بالبرد أكثر؟
الإجابة غالبًا نعم. مع التقدم في العمر تحدث تغيرات في الجسم تجعل الإحساس بالبرد أقوى، ومن هذه التغيرات:
تباطؤ عملية التمثيل الغذائي، مما يقلل إنتاج الحرارة داخل الجسم.
ضعف الدورة الدموية في الأطراف.
انخفاض الكتلة العضلية التي تساعد في توليد الحرارة.
ترقق الجلد وقلة الدهون العازلة.
انخفاض نشاط الغدة الدرقية أحيانًا.
لهذا السبب كثير من كبار السن يشتكون من الشعور بالبرد حتى عندما تكون درجة الحرارة معتدلة بالنسبة للآخرين.
لماذا تزداد آلام المفاصل في الشتاء؟
العديد من الناس يلاحظون زيادة آلام الركبة والكتف وأسفل الظهر خلال الشتاء. ورغم أن العلماء لا يتفقون تمامًا على السبب الدقيق، فإن هناك عدة تفسيرات محتملة:
انخفاض النشاط البدني في الشتاء، مما يسبب تيبس المفاصل.
تقلص العضلات والأربطة حول المفصل.
تغير الضغط الجوي الذي قد يؤثر على السوائل داخل المفصل.
ضعف تدفق الدم إلى المفاصل البعيدة عن مركز الجسم.
كل هذه العوامل تجعل المفصل أكثر حساسية، فيشعر الشخص وكأن البرد يتغلغل إلى داخله.
هل نقص بعض العناصر الغذائية يزيد الشعور بالبرد؟
نعم، هناك عناصر غذائية مهمة تساعد الجسم على إنتاج الطاقة والحفاظ على درجة حرارته، ونقصها قد يجعل الشخص أكثر حساسية للبرد، ومن أهمها:
الحديد، حيث يؤدي نقصه إلى فقر الدم الذي يقلل قدرة الدم على نقل الأكسجين، فيشعر الشخص بالبرد والتعب.
فيتامين B12 الضروري لصحة الأعصاب وتكوين خلايا الدم.
فيتامين D المرتبط بصحة العظام والعضلات.
اليود الضروري لوظائف الغدة الدرقية المسؤولة عن تنظيم حرارة الجسم.
لذلك قد يكون الشعور الدائم بالبرد علامة تستدعي فحص الصحة العامة والتأكد من عدم وجود نقص غذائي.
هل الحالة النفسية تؤثر على الشعور بالبرد؟
المثير للاهتمام أن الحالة النفسية تلعب دورًا أيضًا. التوتر والقلق والاكتئاب قد يجعلون الشخص أكثر حساسية للبرد، لأن التوتر يؤثر على الدورة الدموية وعلى استجابة الجسم للبيئة المحيطة.
كما أن قلة النوم تزيد الإحساس بالبرد والتعب العام، لأن الجسم لا يحصل على الراحة اللازمة لإعادة ضبط وظائفه الحيوية.
متى يكون الشعور بالبرد علامة على مشكلة صحية؟
في بعض الحالات، قد يكون الشعور المفرط بالبرد إشارة إلى مشكلة صحية تستحق الفحص الطبي، خصوصًا إذا كان مصحوبًا بأعراض أخرى، مثل:
تعب مستمر دون سبب واضح.
شحوب الوجه أو الدوخة.
تساقط الشعر أو جفاف الجلد.
زيادة الوزن غير المبررة.
تورم المفاصل أو ألم مزمن.
هذه الأعراض قد تشير إلى فقر الدم أو قصور الغدة الدرقية أو مشاكل في الدورة الدموية، ولذلك يفضل استشارة الطبيب إذا كان الشعور بالبرد مستمرًا وغير طبيعي.
نصائح عملية لتقليل الشعور بالبرد العميق
هناك خطوات بسيطة يمكن اتباعها لتقليل الإحساس بأن البرد يخترق الجسم:
ارتداء ملابس متعددة الطبقات بدل قطعة واحدة ثقيلة، لأن الطبقات تحتفظ بالحرارة بشكل أفضل.
الحفاظ على دفء القدمين واليدين لأنهما أول المناطق التي تفقد الحرارة.
ممارسة الرياضة الخفيفة يوميًا لتحسين الدورة الدموية.
تناول مشروبات دافئة مثل الشوربة والأعشاب الدافئة.
الحصول على كمية كافية من البروتين والحديد في الغذاء.
التعرض للشمس عند توفرها لتحفيز إنتاج فيتامين D.
تحريك المفاصل بانتظام لتجنب التيبس.
الحفاظ على وزن صحي يوفر عزلًا حراريًا طبيعيًا للجسم.
هل الاستحمام بالماء الساخن حل جيد؟
الاستحمام بالماء الساخن يعطي شعورًا سريعًا بالدفء، لكنه قد يؤدي إلى فقدان الحرارة سريعًا بعد الخروج إذا لم يتم تجفيف الجسم وارتداء ملابس دافئة مباشرة. الأفضل استخدام ماء دافئ بدل شديد السخونة للحفاظ على توازن حرارة الجسم.
هل شرب السوائل مهم في الشتاء؟
كثير من الناس يشربون ماء أقل في الشتاء لعدم الشعور بالعطش، لكن الجفاف يزيد الإحساس بالبرد ويؤثر في الدورة الدموية. لذلك من المهم الحفاظ على شرب الماء والسوائل الدافئة بانتظام.
هل الحركة أهم من الملابس الثقيلة؟
الحركة تلعب دورًا أساسيًا في التدفئة. عند المشي أو القيام بأي نشاط، تبدأ العضلات في إنتاج حرارة، فيشعر الجسم بالدفء الطبيعي. لذلك الأشخاص الذين يجلسون لفترات طويلة يشعرون بالبرد أكثر من النشطين.
هل الشعور بالبرد في العظام مجرد تعبير شعبي؟
يمكن القول إن التعبير مجازي أكثر من كونه حقيقة علمية، لكنه يعكس شعورًا حقيقيًا ناتجًا عن تفاعل عدة عوامل مثل ضعف الدورة الدموية، تيبس العضلات، حساسية المفاصل، والتغيرات المناخية. لذلك فالشعور حقيقي، لكن السبب ليس وصول البرد إلى العظام نفسها.
كيف نحافظ على صحة المفاصل في الشتاء؟
الاهتمام بصحة المفاصل يقلل الشعور بالألم المرتبط بالبرد، ومن أهم النصائح:
ممارسة تمارين التمدد يوميًا.
الحفاظ على وزن صحي لتقليل الضغط على المفاصل.
تناول أطعمة غنية بأوميغا 3 مثل السمك والمكسرات.
استخدام كمادات دافئة عند الشعور بالألم.
تجنب الجلوس في وضعية واحدة لفترة طويلة.
العلم يؤكد أن البرد لا يصل فعليًا إلى العظام، لكن الجسم قد يشعر ببرودة عميقة نتيجة تغيرات في الدورة الدموية والمفاصل والعضلات. لذلك فإن عبارة “البارد دخل عظامي” تعبّر عن تجربة حسية حقيقية، وإن كانت ليست دقيقة من الناحية العلمية.
الاهتمام بالتغذية والحركة وارتداء الملابس المناسبة والحفاظ على دفء الجسم كلها خطوات بسيطة لكنها فعالة لتقليل هذا الشعور خلال فصل الشتاء.
أسئلة شائعة حول الشعور بالبرد في العظام
هل البرد يسبب التهاب المفاصل؟
البرد لا يسبب المرض مباشرة، لكنه قد يزيد أعراض الألم لدى المصابين مسبقًا.
هل النحيفون يشعرون بالبرد أكثر؟
نعم، لأن لديهم طبقة دهون أقل تعزل الجسم عن البرودة.
هل شرب القهوة يساعد على التدفئة؟
قد تعطي شعورًا مؤقتًا بالدفء، لكنها قد تزيد فقدان الحرارة لاحقًا بسبب تأثيرها على الأوعية الدموية.
هل ارتداء جوارب أثناء النوم مفيد؟
نعم، لأنه يساعد في الحفاظ على حرارة الجسم وتحسين النوم.
هل الشعور بالبرد يدل على ضعف المناعة؟
ليس دائمًا، لكنه قد يكون مرتبطًا بنقص غذائي أو تعب عام يحتاج إلى تقييم.
فهم ما يحدث في الجسم يساعدنا على التعامل مع البرد بطريقة أفضل، وتحويل فصل الشتاء من موسم للأوجاع إلى وقت مريح ودافئ وصحي.
